شاطر
اذهب الى الأسفل
????
زائر

سرعه تقلب القلوب

في الثلاثاء مايو 25, 2010 4:03 pm
[tr][td class=hr colspan="2"][/td][/tr][tr][td colspan="2"]
بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إن القلب هدف يصاب على الدوام من كل جانب ، فإذا أصابه شيء يتأثر به أصابه من جانب آخر ما يضاده فتتغير صفته ، فإن نزل به الشيطان فدعاه إلى الهوى نزل به الملك وصرفه عنه ، وإن جذبه شيطان إلى شر جذبه شيطان آخر إلى غيره ، وإن جذبه ملك إلى خير جذبه آخر إلى غيره ، فتارة يكون متنازعاً بين ملكين ، وتارة بين شيطانين ، وتارة بين ملك وشيطان.
ولا يكون قط مهملا وإليه الإشارة بقوله تعالى:

( ونقلب أفئدتهم وأبصارهم )
ولاطلاع رسول الله صلى الله عليه وسلم على عجيب صنع الله تعالى في عجائب القلب وتقلبه كان يحلف به فيقول:
" لا ومقلب القلوب "
وكان كثيراً ما يقول:
" يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك "
قالوا:
أو تخاف يا رسول الله ؟
قال:
"وما يؤمنني والقلب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء "
وفي لفظ آخر ... " إن شاء أن يقيمه أقامه وإن شاء أن يزيغه أزاغه ".

وضرب له صلى الله عليه وسلم ثلاثة أمثلة:

1- فقال عليه السلام: .... " مثل القلب مثل العصفور يتقلب في كل ساعة "
2- وقال عليه السلام: ... " مثل القلب في تقلبه كالقدر إذا استجمعت غليانا "
3- وقال عليه السلام: ... " مثل القلب كمثل ريشة في أرض فلاة تقلبها الرياح ظهراً لبطن "
وهذه التقلبات وعجائب صنع الله تعالى في تقلبها من حيث لا تهدى إليه المعرفة لا يعرفها إلا المراقبون والمراعون لأحوالهم مع الله تعالى .

والقلوب في الثبات على الخير والشر والتردد بينهما ثلاثة:

القلب الأول :

قلب عمر بالتقوى وزكا بالرياضة وطهر عن خبائث الأخلاق تنقدح فيه خواطر الخير من خزائن الغيب ومداخل الملكوت ، فينصرف العقل إلى التفكر فيما خطر له ليعرف دقائق الخير فيه ويطلع على أسرار فوائده فينكشف له بنور البصيرة وجهه ، فيحكم بأنه لا بد من فعله فيستحثه عليه ويدعوه إلى العمل به ، وينظر الملك إلى القلب فيجده طيباً في جوهره طاهراً بتقواه مستنيراً بضياء العقل معموراً بأنوار المعرفة فيراه صالحاً لأن يكون له مستقراً ومهبطاً ، فعند ذلك يمد بجنود لا ترى ويهديه إلى خيرات أخرى حتى ينجر الخير إلى الخير وكذلك على الدوام ، ولا يتناهى إمداده بالترغيب بالخير وتيسير الأمر عليه.

وإليه الإشارة بقوله تعالى :

( فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى )

وفي مثل هذا القلب يشرق نور المصباح من مشكاة الربوبية حتى لا يخفي فيه الشرك الخفي الذي هو أخفى من دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء ، فلا يخفى على هذا النور خافية ولا يروج عليه شيء من مكايد الشيطان ، بل يقف الشيطان ويوحي زخرف القول غروراً فلا يلتفت إليه وهذا القلب بعد طهارته من المهلكات يصير على القرب معموراً بالمنجيات من الشكر والصبر والخوف والرجاء والفقر والزهد والمحبة والرضا والشوق والتوكل والتفكر والمحاسبة وغير ذلك.
وهو القلب الذي أقبل الله عز وجل بوجهه عليه ، وهو القلب المطمئن المراد بقوله تعالى :

( ألا بذكر الله تطمئن القلوب )

القلب الثاني :

القلب المخذول المشحون بالهوى ، المدنس بالأخلاق المذمومة والخبائث ، المفتوح فيه أبواب الشياطين ، المسدود عنه أبواب الملائكة. ومبدأ الشر فيه أن ينقدح فيه خاطر من الهوى ويهجس فيه فينظر القلب إلى حاكم العقل ليستفتي منه ويستكشف وجه الصواب فيه ، فيكون العقل قد ألف خدمة الهوى وأنس به واستمر على استنباط الحيل له وعلى مساعدة الهوى ، فتستولي النفس وتساعد عليه فينشرح الصدر بالهوى وتنبسط فيه ظلماته لانحباس جند العقل عن مدافعته. فيقوى سلطان الشيطان لاتساع مكانه بسبب انتشار الهوى فيقبل عليه بالتزيين والغرور والأماني ، ويوحي بذلك زخرفاً من القول غروراً فيضعف سلطان الإيمان بالوعد والوعيد ، ويخبو نور اليقين لخوف الآخرة إذ يتصاعد عن الهوى دخان مظلم إلى القلب يملأ جوانبه حتى تنطفئ أنواره ، فيصير العقل كالعين التي ملأ الدخان أجفانها فلا يقدر على أن ينظر، وهكذا تفعل غلبة الشهوة بالقلب حتى لا يبقى للقلب إمكان التوقف والاستبصار، ولو بصره واعظ وأسمعه ما هو الحق فيه عمى عن الفهم ، وصم عن السمع ، وهاجت الشهوة فيه ، وسطا الشيطان ، وتحركت الجوارح على وفق الهوى فظهرت المعصية إلى عالم الشهادة من عالم الغيب بقضاء من الله تعالى وقدره.

وإلى مثل هذا القلب الإشارة بقوله تعالى :
( أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلاً. أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا )
وبقوله عز وجل :
( لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون )
وبقوله عز وجل :
( سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون )

ورب قلب هذا حاله بالإضافة إلى بعض الشهوات كالذي يتورع عن بعض الأشياء ولكنه إذا رأى وجهاً حسناً لم يملك عينه وقلبه وطاش عقله وسقط مساك قلبه ، أو كالذي لا يملك نفسه فيها فيه الجاه والرياسة والكبر ، ولا يبقى معه مسكة للتثبت عند ظهور أسبابه ، أو كالذي لا يملك نفسه عند الغضب مهما استحقر وذكر عيب من عيوبه ، أو كالذي لا يملك نفسه عند القدرة على أخذ درهم أو دينار بل يتهالك عليه تهالك الواله المستهتر فينسى فيه المروءة والتقوى ، فكل ذلك لتصاعد دخان الهوى إلى القلب حتى يظلم وتنطفئ منه أنواره فينطفئ نور الحياء والمروءة والإيمان ويسعى في تحصيل مراد الشيطان.

القلب الثالث:

قلب تبدو فيه خواطر الهوى فتدعوه إلى الشر فيلحقه خاطر الإيمان فيدعوه إلى الخير، فتنبعث النفس بشهوتها إلى نصرة خاطر الشر فتقوى الشهوة وتحسن التمتع والتنعم ، فينبعث العقل إلى خاطر الخير ويدفع في وجه الشهوة ويقبح فعلها وينسبها إلى الجهل ويشبهها بالبهيمة والسبع في تهجمها على الشر وقلة اكتراثها بالعواقب فتميل النفس إلى نصح العقل.

فيحمل الشيطان حملة على العقل فيقوي داعي الهوى ويقول :
1- ما هذا التحرج البارد ولم تمتنع عن هواك فتؤذي نفسك ؟
2- وهل ترى أحداً من أهل عصرك يخالف هواه أو يترك غرضه ؟
3- أفتترك لهم ملاذ الدنيا يتمتعون بها وتحجر على نفسك حتى تبقى محروماً شقياً متعوباً يضحك عليك أهل الزمان ؟
4- أفتريد أن يزيد منصبك على فلان وفلان قد فعلوا مثل ما اشتهيت ولم يتمنعوا ؟
5- أما ترى العالم الفلاني ليس يحترز من مثل ذلك ولو كان ذلك شراً لامتنع عنه ؟

فتميل النفس إلى الشيطان وتنقلب إليه.

فيحمل الملك حملة على الشيطان ويقول:
1- هل لك إلا من اتبع لذة الحال ونسى العاقبة ؟
2- أفتقنع بلذة يسيرة وتترك لذة الجنة ونعيمها أبد الآباد ؟
3- أم تستثقل ألم الصبر عن شهوتك ولا تستثقل ألم النار ؟
4- أتغتر بغفلة الناس عن أنفسهم واتباعهم هواهم ومساعدتهم الشيطان مع أن عذاب النار لا يخففه عنك معصية غيرك ؟
5- أرأيت لو كنت في يوم صائف شديد الحر ووقف الناس كلهم في الشمس وكان لك بيت بارد أكنت تساعد الناس أو تطلب لنفسك الخلاص ؟
6- فكيف تخالف الناس خوفاً من حر الشمس ولا تخالفهم خوفاً من حر النار ؟

فعند ذلك تمتثل النفس إلى قول الملك فلا يزال يتردد بين الجندين متجاذباً بين الحزبين إلى أن يغلب على القلب ما هو أولى به.

فإن كانت الصفات التي في القلب الغالب عليها الصفات الشيطانية التي ذكرناها غلب الشيطان ومال القلب إلى جنسه من أحزاب الشيطان معرضاً عن حزب الله تعالى وأوليائه ، ومساعداً لحزب الشيطان وأعدائه ، وجرى على جوارحه بسابق القدر ما هو سبب بعده عن الله تعالى.

وإن كان الأغلب على القلب الصفات الملكية لم يصغ القلب إلى إغواء الشيطان وتحريضه إياه على العاجلة وتهوينه أمر الآخرة ، بل مال إلى حزب الله تعالى وظهرت الطاعة بموجب ما سبق من القضاء على جوارحه ، فقلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن - أي بين تجاذب هذين الجندين وهو الغالب - أي التقليب والانتقال من حزب إلى حزب.

أما الثبات على الدوام مع حزب الملائكة أو مع حزب الشيطان فنادر من الجانبين وهذه الطاعات والمعاصي تظهر من خزائن الغيب إلى عالم الشهادة بواسطة خزانة القلب فإنه من خزائن الملكوت ، وهي أيضاً إذا ظهرت كانت علامات تعرف أرباب القلوب سابق القضاء.

فمن خلق للجنة يسرت له أبواب الطاعات.

ومن خلق للنار يسرت له أسباب المعاصي وسلط عليه أقران السوء وألقي في قلبه حكم الشيطان ، فإنه بأنواع الحكم يغر الحمقى بقوله: إن الله رحيم فلا تبال، وإن الناس كلهم ما يخافون الله فلا تخالفهم ، وإن العمر طويل فاصبر حتى تتوب غداً.

( يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا )

يعدهم التوبة ويمنيهم المغفرة فيهلكهم بإذن الله تعالى بهذه الحيل وما يجري مجراها ، فيوسع قلبه لقبول الغزور ويضيقه عن قبول الحق ، وكل ذلك بقضاء من الله وقدر.

( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء )
( إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده )

فهو الهادي والمضل يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا راد لحكمه ولا معقب لقضائه. خلق الجنة وخلق لها أهلاً فاستعملهم بالطاعة ، وخلق النار وخلق لها أهلا فاستعملهم بالمعاصي. وعرف الخلق علامة أهل الجنة وأهل النار.

فقال عز وجل :
( إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم )
ثم قال تعالى فيما روى عن نبيه صلى الله عليه وسلم :
" هؤلاء في الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي "
فتعالى الله الملك الحق لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون.

والله ولي التوفيق


[/td][/tr]
الرجوع الى أعلى الصفحة
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى